إبراهيم بن محمد الميموني

169

تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام

أبو داود أيضا أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة ، فقال أبو العالية : إن موسى كان يصلى عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام ، فكانت الكعبة قبلته وكانت الصخرة بين يديه ، وقال اليهودي : بيني وبينك مسجد صالح وقبلة الكعبة ، وأخبر أبو العالية أنه رأى مسجد ذي القرنين وقبلته الكعبة ، وقد تضمن هذا فائدة جليلة وهي أن استقبال أهل الكتاب لقبلتهم لم يكن من جهة الوحي من الله تعالى بل كان عن مشورة منهم ، أما النصارى فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق أبدا ، وهم مقرون بذلك ومقرون أن قبلة المسيح كانت قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة ، وإنما وضع لهم شيوخهم وأسلافهم هذه القبلة وهم يعتذرون عنهم بأن المسيح فوض إليهم التحليل والتحريم وشرح الأحكام وأن ما حللوه وحرموه فقد حلله هو وحرمه في السماء ، فهم مع اليهود متفقون على أن الله لم يشرع استقبال المشرق على لسان رسوله أبدا ، والمسلمون شاهدون عليهم بذلك ، وأما قبلة اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة البتة وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا ، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة ، وأما السامرة فإنهم يصلون إلى طورهم بأرض الشام يعظمونه ويحجون إليه ، ورأيته أنا وهو في بلد نابلس ناظرت فضلائهم في استقبالهم ، وقلت : هو قبلة باطلة مبتدعة ، فقال مشار إليه في دينهم : هذه هي القبلة الصحيحة واليهود أخطأوها ؛ لأن الله تعالى أمر في التوراة باستقباله عينا ثم ذكر نصا يزعمه من التوراة في استقباله ، فقلت له : هذا خطأ قطعا على التوراة ؛ لأنها إنما أنزلت على بني إسرائيل ، فهم المخاطبون بها وأنتم فرع عليهم فيها ، وإنما تلقيتموها عنهم وهذا النص ليس في التوراة التي بأيديهم وأنا رأيتها وليس هذا فيها ، فقال : صدقت إنما هو في توراتنا خاصة ، قلت : فمن المحال أن يكون أصحاب التوراة ، المخاطبون بها وهم الذين تلقوها عن الكليم وهم متفرقون في أقطار الأرض قد كتموا هذا النص وأزالوه وبدلوا القبلة التي أمروا بها وحفظتم النص بها ، فلم يرجع إلى الجواب ، قلت : هذا كله مما يقوى أن يكون الضمير في قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها « 1 » راجعا إلى كل أي هو موليها وجهة ، وليس المراد أن الله موليه إياها لوجوه هذا أحدها ، الثاني : أنه لم يتقدم لاسمه تعالى ذكر يعود الضمير عليه في الآية ، وإن كان مذكورا

--> ( 1 ) البقرة آية : ( 148 ) .